السنوات التي لا نحب فيها أولادنا… لكن نستمر في حبّهم - وظائف اليوم

Table of Content

المشاركات

السنوات التي لا نحب فيها أولادنا… لكن نستمر في حبّهم

السنوات التي لا نحب فيها أولادنا… لكن نستمر في حبّهم

السنوات التي لا نحب فيها أولادنا… لكن نستمر في حبّهم

أم متعبة تجلس بجانب طفلها
أحياناً يختبئ الحب تحت طبقات من التعب والإنهاك، لكنه لا يختفي.

هناك سنوات في حياة بعض الأمهات لا يجرؤن على تسميتها بصوت عالٍ.

سنوات تنظر فيها الأم إلى طفلها الذي أحبّته بجنون، وتشعر في سرّها أنها لا تحب صحبته، لا تحتمل صوته، ولا تطيق مزاجه المتقلب.

لا لأن الحب اختفى، بل لأن هذا الحب صار مغطّى بطبقات كثيفة من التعب، والأرق، والصراخ، والطلبات التي لا تنتهي، وكلمات جارحة تخرج من فم صغير لم يتعلم بعد كيف يضبط عواصفه الداخلية.

حكاية أم وصلت إلى الحافة

إحدى الأمهات كتبت في رديت جملة صادقة ومخيفة في الوقت نفسه:

"أحب ابني، لكن في الفترة الأخيرة لا أطيقه أبداً. كل شيء يتحول إلى معركة أو انهيار. أحتاج من يقول لي إن طفلي ذو الخمس سنوات لم يُفسد للأبد."

ابنها في الخامسة. صباحاً، أزمة لأن الإفطار لا يحتوي على آيس كريم أصلاً. في الطريق إلى المدرسة، معركة جاكيت في برد قارس تحت الصفر. ٤٥ دقيقة لارتداء الملابس، وكلما دخلت لتساعده صرخ في وجهها. عندما يغضب، يعلن أنه يكرهها، ويكره البيت، ويكره الجميع.

هي نفسها جرّبت أن تكون "لطيفة"، ثم جرّبت العقاب وسحب الألعاب والخروج. جرّبت كل ما تسمعه عن التربية الإيجابية، وكل ما تربّت عليه من أساليب تقليدية. وفي نهاية الأسبوع، وجدت نفسها تبكي وحدها في الغرفة، بينما يتولى زوجها مسؤولية البيت، لأنها ببساطة لم يعد لديها شيء تعطيه.

مرحلة الخامسة: اختبار حدود العالم وحدود الأم

في عمر خمس سنوات، يمر كثير من الأطفال بمرحلة تبدو للأهل وكأنها "انقلاب على كل شيء". يريد الطفل أن يقرّر ماذا يأكل، وماذا يرتدي، ومتى يخرج، وكيف يردّ. يختبر كلمة "لا" كأنها سلاح جديد. يستخدم عبارات كبيرة مثل "أكرهك" وهو في الحقيقة يقول: "أنا غاضب ومتوتر ولا أعرف كيف أشرح لك ما أشعر به."

من منظور النمو النفسي، نوبات الغضب والانفجارات الانفعالية في هذه المرحلة يمكن أن تكون جزءاً من التطور الطبيعي، ما دامت في حدود معينة ولم ترافقها مؤشرات خطر أخرى. مناطق الدماغ المسؤولة عن ضبط الانفعال ما تزال تنضج، والطفل يتعلّم بالتدريج كيف ينتقل من الصراخ إلى الكلام، ومن رمي الأشياء إلى طلب المساعدة.

لكن الأم لا تقرأ الموقف بهذا الشكل العلمي البارد. هي تقرأه من زاوية قلب مرهق: "أنا أفشل في تربيته. هو لا يحترمني. أنا لم أعد أحبّه كما يجب."

الإرهاق الأبوي: حين ينطفئ شيء في الداخل

الأبحاث تسمي ما تمرّ به كثير من الأمهات في هذه المرحلة "الاحتراق الوالدي". حالة من الإنهاك الشديد، يترافق معها شعور بالمسافة العاطفية من الطفل، وإحساس دائم بأن الأم لم تعد "كافية" مهما فعلت.

الأم المحترقة لا ترى طفلها كما تراه الأم المستريحة. كل بكاء يبدو استفزازاً، وكل "لا" تبدو تحدياً، وكل تأخير في ارتداء الملابس يبدو دليلاً على أنها ربّت طفلاً مدلّلاً لا يحترم أحداً. في الحقيقة، عدسة الأم تغيّرت لأن جسدها وعقلها لم يعودا يتحمّلان نفس القدر من الضغط.

"أحبك… لكنني لا أحتملك الآن": اعتراف لا يلغي الحب

في ثقافتنا، الاعتراف بأن الأم لا "تحب" طفلها في مرحلة معينة يشبه الاعتراف بجريمة. لكن حين ننظر إلى ما تقوله الأمهات في الأبحاث والمقابلات الطويلة، نكتشف أن هذه الجملة تتكرر بشكل لافت: "أنا أحب أطفالي، لكنني لا أستمتع بهم الآن. لا أحب الطريقة التي أتصرف بها معهم، ولا أحب النسخة التي صرتُها."

هذا الاعتراف لا يعني أن الحب اختفى، بل أن التعب غطّاه مؤقتاً. حب الأم ليس شعوراً ثابتاً بنفس الدرجة في كل يوم؛ هو قرار طويل الأمد بأن تبقى، وتعتني، وتحمي، حتى عندما لا تشعر بالدفء والامتنان كل لحظة.

ماذا يحدث للطفل حين تحترق أمه؟

ضغط الوالدية المرتفع لا ينعكس فقط على شعور الأم؛ بل ينعكس أيضاً على سلوك الطفل. تشير دراسات حديثة إلى أن الضغط المزمن لدى الأم يرتبط بزيادة في السلوكيات المعارضة والعناد والمشاكل الانفعالية عند الطفل، وأن جودة التفاعل اليومي بينهما تتأثر بشكل واضح.

لا يعني هذا أن الطفل يصبح "تالفاً"، لكنه يتعلّم أن البيت مكان متوتر، وأن العلاقة مع الأم مجال متذبذب بين القرب والانفجار. إذا استمر هذا النمط سنوات بلا تدخل، قد يترك آثاراً أعمق. لكن الجميل في الأمر أن تحسين حال الأم نفسها، وتخفيف الضغط عنها، ينعكس لاحقاً في شكل تفاعل أكثر هدوءاً وسلاسة، حتى لو لم يتغير الطفل جذرياً.

قصص أمهات خرجن من النفق

كثير من الأمهات اللواتي تحدّثن عن احتراقهن يذكرن نقطة تحوّل ما:

طبيبة عاملة كانت تبكي في السيارة قبل دخول البيت، أقرت أنها لا تستطيع الاستمرار بهذا الإيقاع. خفّضت ساعات عملها، طلبت من زوجها أن يكون مسؤولاً عن روتين المساء، وتوقفت عن محاولة لعب دور "الأم الخارقة". التعافي استغرق أكثر من عام، لكنها تقول اليوم إنها صارت "أماً كافية"، لا مثالية، وهذا وحده أنقذها وأنقذ علاقتها بأطفالها.

أم أخرى اعترفت أنها كانت "مفرطة الإنجاز" مع أطفالها: أنشطة، دروس، التزامات لا تنتهي. حين احترقت تماماً، أعادت تعريف النجاح: أن يكون أطفالها متوازنين وسعداء، لا متفوقين في كل نشاط. قلّلت عدد الأنشطة، زادت أوقات اللعب الحرّ، وسمحت لنفسها أن ترتاح دون شعور فوري بالذنب.

أم ثالثة وصفت ما يحدث معها بأنه "استقالة صامتة من الأمومة": تقوم بالحد الأدنى من المهام، لكنها من الداخل منهارة. بداية التغيير عندها كانت بسيطة جداً: ٤٥ دقيقة مشي وحدها مرتين أسبوعياً، وترتيب نوبات "أنت المسؤول" مع زوجها. هذه المساحات الصغيرة من التنفّس جعلتها أقل حدة وأكثر قدرة على العودة لطفليها بقلب حاضر.

كيف نطلب المساعدة من الزوج كشريك، لا كمنقذ مؤقت؟

كثير من الأمهات يكتبن عن ضرورة "طلب المساعدة"، لكن القليل يوضّحن كيف. المفتاح هنا أن نعامل الزوج كأب مسؤول، لا كـ"مساعد لطيف" عندما يتفضّل.

اختيار وقت هادئ للكلام، بعيداً عن لحظات الانفجار. استخدام جمل تبدأ بـ"أنا" بدلاً من "أنت": "أنا مرهقة جداً وأشعر أنني أنهار"، بدلاً من "أنت لا تفعل شيئاً مع الأولاد." تحديد ما نحتاجه بوضوح: "هل يمكنك أن تتولى أنت وقت الاستحمام كل ليلة؟" أو "يوم الجمعة صباحاً أحتاج ساعتين وحدي بدون أطفال."

الاتفاق على توزيع ثابت للمهام اليومية، مكتوب أو واضح، حتى لا يتحول كل يوم إلى معركة جديدة حول "من يفعل ماذا". عندما يشعر الأب أنه شريك حقيقي، لا موظف تحت الطلب، يصبح حضوره مع الأطفال أكثر ثباتاً وعمقاً، وهذا يخفف العبء عن الأم ويمنحها وقتاً لالتقاط أنفاسها.

اختيار المعارك… لحماية العلاقة لا لإثبات القوة

ليس كل "لا" تستحق حرباً. في بيت الأم التي ذكرناها في بداية المقال، معركة الإفطار لا تستحق استنزاف صباح كامل، لكن معركة الجاكيت في درجة حرارة تحت الصفر معركة حياة وصحّة.

يمكن للأم أن تختار خطوطاً حمراء واضحة (الأمان، الصحة، النوم) وتكون حازمة فيها، بينما تسمح ببعض المرونة في أمور أقل أهمية (شكل الملابس، ترتيب الألعاب، نوع الكوب). هذا لا يجعل الطفل "يسيطر" على البيت، بل يعلّمه أن هناك قواعد ثابتة تتعلق بحمايته، وفي الوقت نفسه يشعر بأن صوته مسموع في تفاصيل صغيرة تناسب عمره.

ماذا تقول الأمهات إنهن يحتجن فعلاً؟

عندما نسأل الأمهات اللاتي مررن بهذه السنوات الصعبة: "ما الذي كنتِ تحتاجينه؟"، تأتي الإجابات متشابهة بشكل لافت:

  • شخص يسمع دون أن يحكم أو يقلّل من تعبها.
  • شريك يتحمّل جزءاً حقيقياً من مسؤوليات البيت والأبوة.
  • مساحة صغيرة منتظمة لالتقاط الأنفاس دون أطفال.
  • تخفيف ضغط "الأمومة المثالية" لصالح "الأمومة الكافية".

رسالة إلى أم تعيش هذه السنوات الآن

إذا كنتِ تقرئين هذه السطور وتشعرين أن الكلام عنك، فاعلمي أن وجودك هنا بحد ذاته علامة شجاعة. الأم التي تبحث عن فهم لما يحدث، وتحاول أن ترى الصورة من بعيد، هي أم لا تزال تمسك بطرف الخيط، حتى لو شعرت أنها على وشك السقوط.

لن يصبح كل شيء جميلاً بين ليلة وضحاها، ولن يتحوّل طفلك إلى ملاك صامت. لكن يمكن أن تتغيّر الطريقة التي ترين بها نفسك، والطريقة التي توزّعين بها طاقتك وحدودك، وهذا وحده كفيل أن يخفف حدة هذه السنوات.

السنوات التي لا نحب فيها أولادنا كثيراً، لكن نستمر في إلباسهم معاطفهم في البرد، وإعداد طعامهم، وتقبيلهم وهم نائمون، هي في الحقيقة سنوات يتعلّم فيها الحب شكلاً مختلفاً: حبّاً لا يعتمد على الشعور اللحظي، بل على قرار يومي بأن نبقى، حتى ونحن متعبون، مع ترك مساحة لأن نبقى نحن أيضاً بشراً نحتاج إلى الحضن والراحة والصفح عن أنفسنا.

إرسال تعليق